محمد متولي الشعراوي
211
تفسير الشعراوي
اذن فكل تكاليف من اللّه نفعلها لأن اللّه شرعها ولا نفعلها لأي شئ آخر . . وكل ما يأتينا من اللّه من قرآن نستقبله على أنه كلام اللّه ولا نستقبله بأي صيغة أخرى . . ذلك هو الايمان الذي يريد اللّه منا أن نتمسك به ، وأن يكون هو سلوك حياتنا . تلك مقدمة كان لا بد منها إذا أردنا أن نعرف معنى الآية الكريمة : « إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها » وعندما ضرب اللّه مثلا بالبعوضة . . استقبله الكفار بالمعنى الدنيوي دون أن يفطنوا للمعنى الحقيقي . . قالوا كيف يضرب اللّه مثلا بالبعوضة ذلك المخلوق الضعيف . . الذي يكفى أن تضربه بأي شئ أو بكفك فيموت ؟ . لماذا لم يضرب اللّه تبارك وتعالى مثلا بالفيل الذي هو ضخم الجثة شديدة القوة . . أو بالأسد الذي هو أقوى من الإنسان وضرب لنا مثلا بالبعوضة فقالوا : « ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا » . . ولم يفطنوا إلى أن هذه البعوضة دقيقة الحجم خلقها معجزة . . لأن في هذا الحجم الدقيق وضع اللّه سبحانه وتعالى كل الأجهزة اللازمة لها في حياتها . . فلها عينان ولها خرطوم دقيق جدا ولكنه يستطيع أن يخرق جلد الانسان . . ويخرق الأوعية الدموية التي تحت الجلد ليمتص دم الانسان . . والبعوضة لها أرجل ولها أجنحة ولها دورة تناسلية ولها كل ما يلزم لحياتها . . كل هذا في هذا الحجم الدقيق . . كلما دق الشئ احتاج إلى دقة خلق أكبر . . ونحن نشاهد في حياتنا البشرية أنه مثلا عندما اخترع الانسان الساعة . . كان حجمها ضخما جدا لدرجة أنها تحتاج إلى مكان كبير . . وكلما تقدمت الحضارة وارتقى الانسان في صناعته وحضارته وتقدمه ، أصبح الحجم دقيقا وصغيرا ، وهكذا أخذت صناعة الساعات تدق . . حتى أصبح من الممكن صنع ساعة في حجم الخاتم أو أقل . . وعندما بدأ اختراع المذياع أو الراديو كان حجمه كبيرا . . والآن أصبح في غاية الدقة لدرجة انك تستطيع أن تضعه في جيبك أو أقل من ذلك . . وفي كل الصناعات عندما ترتقى . . يصغر حجمها لأن ذلك محتاج إلى صناعة ماهر وإلى تقدم علمي . . وهكذا حين ضرب اللّه مثلا بالبعوضة وما فوقها . . أي بما هو أقل منها حجما . . فإنه تبارك وتعالى أراد أن يلفتنا إلى دقة الخلق . . فكلما لطف الشئ وصغر حجمه